الجصاص

609

أحكام القرآن

وقوعه ، لأنه قال : " وردها علي " وهو يعني الرجعة ، وقوله : " ولم يرها شيئا " يعني أنه لم يبنها منه . وقد روي حديث ابن عمر عنه عن أنس بن سيرين وابن جبير وزيد بن أسلم ومنصور عن أبي وائل عنه ، كلهم يقول فيه إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر . وقوله تعالى : ( فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ) يعني به مقاربة بلوغ الأجل لا حقيقته ، لأنه لا رجعة بعد بلوغ الأجل الذي هو انقضاء العدة . ولم يذكر الله تعالى طلاق المدخول بها ابتداء إلا مقرونا بذكر الرجعة بقوله : ( لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) ، يعني أن يبدو له فيراجعها ، وقوله : ( فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ) قال في سورة البقرة : ( فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ) [ البقرة : 231 ] . باب الإشهاد على الرجعة أو الفرقة قال الله تعالى : ( فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ) فأمر بالإشهاد على الرجعة والفرقة أيتهما اختار الزوج ، وقد روي عن عمران بن حصين وطاوس وإبراهيم وأبي قلابة أنه إذا رجع ولم يشهد فالرجعة صحيحة ويشهد بعد ذلك . قال أبو بكر : لما جعل له الإمساك أو الفراق ثم عقبه بذكر الإشهاد كان معلوما وقوع الرجعة إذا رجع وجواز الإشهاد بعدها إذ لم يجعل الإشهاد شرطا في الرجعة . ولم يختلف الفقهاء في أن المراد بالفراق المذكور في الآية إنما هو تركها حتى تنقضي عدتها وأن الفرقة تصح وإن لم يقع الإشهاد عليها ويشهد بعد ذلك ، وقد ذكر الإشهاد عقيب الفرقة ثم لم يكن شرطا في صحتها ، كذلك الرجعة . وأيضا لما كانت الفرقة حقا له وجازت بغير إشهاد إذ لا يحتاج فيها إلى رضا غيره وكانت الرجعة أيضا حقا له ، وجب أن تجوز بغير إشهاد . وأيضا لما أمر الله بالإشهاد على الإمساك أو الفرقة احتياطا لهما ونفيا للتهمة عنهما إذا علم الطلاق ولم يعلم الرجعة أو لم يعلم الطلاق والفراق ، فلا يؤمن التجاحد بينهما ، ولم يكن معنى الاحتياط فيهما مقصورا على الإشهاد في حال الرجعة أو الفرقة بل يكون الاحتياط باقيا ، وإن أشهد بعدهما وجب أن لا يختلف حكمهما إذا أشهد بعد الرجعة بساعة أو ساعتين ، ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في صحة وقوع الرجعة بغير شهود إلا شيئا يروى عن عطاء ، فإن سفيان روى عن ابن جريج عن عطاء قال : " الطلاق والنكاح والرجعة بالبينة " ، وهذا محمول على أنه مأمور بالإشهاد على ذلك احتياطا من التجاحد لا على أن الرجعة لا تصح بغير شهود ، ألا ترى أنه ذكر الطلاق معها ولا يشك أحد في وقوع الطلاق بغير بينة ؟ وقد روى شعبة عن